الشعب السكندرى

كانت الإسكندرية عاصمة ثقافية للعالم القديم عاش فيها المصريون أهل البلاد بدياناتهم وآلهتهم المصرية القديمة واليونانيون بلغتهم وفلسفتهم وآلهتهم اليونانية المتمصرة والرومان بقوانينهم وثقافتهم وعبادتهم، واليهود بديانتهم السماوية وتقاليدهم الموروثة ، ومن ثم المسيحية التى صمدت امام كل هذه الفلسفات العقلية ، وأخيراً بالدين الإسلامى الحنيف .هذا بالإضافة إلى العديد من الأجناس الأخرى مثل الفرس والعرب وتجار فينقيا وغيرهم ممن حملوا أيضاً نماذج مختلفة من الثقافات والعقائد الدينية والعادات والتقاليد.
تتسم الإسكندرية بطابع حميم حتى في لهجة أبنائها الذين يتحدثون بالجمع وليس بالمفرد فلم يكن بمقدور واحد أن يتجه منفردا إلى مكان دون أن يشترك الآخرون معه.
فهم في قارب واحد يلفهم البحر وليس من مفر من لغة الجمع في اى عمل مما أفضى إلى توحد التفكير ثم شموله ولو استعدنا كلمات الشاعر اليوناني السكندري الكبير “كافافيس ” وهو القائل فى قصيدته المدينة حين يتمثل فيها احد يريد الذهاب إلى مدينة أفضل ليخاطبه فيهما ومعلما فى نهاية القصيدة قائلا “ويحك او لم ترانى حين اضعت روحك فى هذا المكان” ..فقد اضعتها فى كل مكان فهى دعوة فى اتساع افق البحر ووافق الانسان والروح فى عمقها وتحليلتها وعبر هذا الميراث الانسانى والتاريخ الفسيح ومما جعل الاسكندرية بوطقة حضارية متفاعلة منذ كانت عاصمة العالم القديم. كل هذا الارث قد الهم الكثيرين من ابناءه روح متصلة قوية متعددة المنشأ ومنصهرة فى بوطقة المدينة الرفيعة الخصوصية نتمنى لها ان تنهض مثل اليوم مبشرة بمدرستها الجديدة فقد كان التفكير هنا مصريا وعالميا فى نفس الوقت مستشرفا افقا لا محدودة.
فمن غموض ورصانة وبناء محمود سعيد الى قوة واستاتيكية وثبات محمود مرسى؛ وكان الاخوان وانلى يتمثلان كل ما يفيد فى ميناهها الثقافى من مدارس الفن الحديث منصهرا باستاذية فى سبيكة مبتكرة تحمل نفس العذوبة السكندرية الامحدودة .
وبينما كانت تفد الى الاسكندرية اجيال من خارجها تقع فى نفس الهوى فيتنظم حامد عويس فى نفس البنية الرصينة الشمولية المعنى والبناء ويخرج ماهر رائف من التشخيص المحدد الى اتساع افلاك الخط وكذلك غيرهم يخرجون الى نداءات تمزح بين الحلم والواقع وبين الشعر والاسطورة.
ولسنا بصدد تمثل نتاج كل فنان بل نتحدث عن مدرسة الاسكندرية وذلك الحس الغامض الذى جعل الكثيرين من فنانيها يقعون فى هذا الغرض حيث ان مالدينا من اعمال لايغطى مانحن بصدده وسوف يتسع العرض ويتبلور تباعا حتى ينتظم هذا العقد مكتملا على صدر الاسكندرية التى تسعى حاليا الى نفض غبار النسيان عنها وان تطل على مصر والعالم بوجهها مضيفة الى اشراقة الحاضر عبق الماضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *